الخميس، 11 سبتمبر، 2014

الثقافة بين الزيات وأحمد أمين



من السهل اليسير أن يتحدث الكاتب عن طه حسين وزكي مبارك والمازني والعقاد في علاقاتهم الأدبية بزملائهم؛ لأن هؤلاء جميعاً لا يكتمون عن القراء ما في نفوسهم، فإذا أحبوا أعلنوا الود الخالص، وإذا خاصموا شبوا النار المحرقة دون مبالاة، ولكن الأحمدين الكبيرين: أحمد حسن الزيات، وأحمد أمين من طراز خلقي نادر، طراز يكتم المواجد، ويكظم الشجون، فلا يتحدث إلاّ بحذر شديد، وسلوكهما الشخصي يفصح عن هذا التحفظ المتحرز. 
لذلك يحتاج الكاتب بإزائهما إلى تدبر شديد في التفسير والتعليل والاستنباط، وكلاهما في صميم اتجاهه النفسي يعتقد أنه رجل دين قبل أن يكون صاحب قلم، ويرعى من أسباب المجاملة والمداراة والصفح والإغضاء ما يحمد له في دنيا تمتلئ بالمشاحنة والصيال، وقد اصطحبا معاً صديقين حميمين أكثر من عشرين عاماً، ثم نزع الشيطان بينهما فوهنت الصحبة وتكدر الأفق بغيم أسود متكاثف، ولم يكن في استطاعتهما أن يكتما ما يجدان عن القراء مع تحفظهما البالغ، فتركا صفحة خالبة من صفحات المنافسة الحذرة المتيقظة، وفي قراءة هذه الصفحة ما يمتع ويروق. 
لقد كان الرجلان زميلين في لجنة التأليف والترجمة والنشر منذ إنشائها، وقد أخرجت اللجنة للأستاذ الزيات ترجمتيه لروفائيل وآلام فرتر في طبعات متوالية؛ لأن هاتين القصتين الفريدتين لاقتا من إقبال القراء ما جعلهما امتداداً قوياً مثمراً لروائع المنفلوطي الخالدة في قصص مجدولين والفضيلة والشاعر وفي سبيل التاج والعبرات، ثم رأى الأستاذ الزيات أن يصدر مجلة (الرسالة)، أصدرها بماله وجهده وصبره. وكان من الطبيعي أن يستعين في تحرير المجلة الأدبية الراقية بزملائه الكبار من أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر، وفي طليعتهم أحمد أمين ومحمد فريد أبو حديد وعبد الحميد العبادي ومحمد عوض محمد وعبدالله عنان. فأشرقت الرسالة بآثارهم الرائعة، وصادفت من إقبال القراء ما جاز مدى الظن، حيث أجمعت الأقطار العربية مشرقاً ومغرباً على الاحتفاء بها، والتلهف عليها، بحيث أصبحت جامعة عليا لذوي الفكر في العالم العربي، وقد أضاف الزيات إلى تحرير المجلة نفراً من أعيان الأدب غير أعضاء اللجنة مثل مصطفى صادق الرافعي وعبدالعزيز البشري وعبدالرحمن شكري وتوفيق الحكيم وإبراهيم عبد القادر المازني ثم العقاد فيما بعد، هذا بالإضافة إلى كوكبة من أدباء الشبان يحتلون الصف الثاني بعد هؤلاء، ولم يلبثوا أن يكونوا حلقة تالية لا تبعد كثيراً عن مستوى الأساتذة الكبار، ومن هؤلاء محمود الخفيف ومحمد سعيد العريان وعلي الطنطاوي ومحمود محمد شاكر وسيد قطب وعبدالمنعم خلاف، ومن لا نستطيع أن نحصيهم في هذا المجال، وبهؤلاء وأولئك بلغت الرسالة الذروة التي لا تطال، وأصبحت تطبع خمسة عشر ألفاً من الأعداد. وهو رقم خطير بالنسبة إلى المجلات الأدبية في أوائل الثلاثينيات، وكان الكتاب من أعضاء اللجنة يكتبون دون أجر، اعتقاداً منهم أن الأدب لا يربح، وصاحبه مجاهد فدائي، ولكن الزيات بعد ثلاثة أعوام من صدور الرسالة قد اشترى عمارة، واكترى مطبعة خاصة به، وحاز أرضاً ذات مساحة كبيرة في بلده، فمن أين أتى ذلك كله. 
وقفة جريئة: 
لقد اجتمع الأستاذ أحمد أمين بزملائه من أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر، ليعلمهم أن جهده الأدبي لا بدّ أن يكون ذا محصول مادي، وأن الرسالة قد تأسست بجهودهم الدائبة، وليس الزيات غير واحد فقط. وإن شارك بمقاله الافتتاحي وإشرافه التحريري، فلذلك جزائه المحدود، وقدره المعدود، أما أن تكون الرسالة ملكاً خالصاً له، وأما أن يكون أعضاء اللجنة متبرعين فقط غير منتفعين، فهذا ما لا يرضي الصديق، ولا يقنع المحايد، ولا بدّ من وقفة جريئة يتم بها الإشراف التام على الطبع والتوزيع والعائد والمرتجع، ثم يعطى كل كاتب حقه المادي دون إجحاف. 
واجتمع الزيات بزملائه في لجنة التأليف والترجمة والنشر ليقرروا أن كُتّاب الصف الأول في مجلة الرسالة هم أصحابها جميعاً، ولن يكون الإشراف على التحرير خاصاً بالزيات وحده، بل تؤلف للتحرير لجنة تتكون من أحمد زكي وفريد أبي حديد ومحمد عوض محمد وأحمد أمين والزيات، على أن يكون للزيات مرتب معلوم بالنسبة للإشراف الإداري، ثم تخصم بعد ذلك تكاليف الطبع والتوزيع، ويقسم الربح على الأعضاء بالتساوي، وقد أظهر الزيات رضاه المبدئي، ولكنه لم ينسَ أنه هو الذي أسس المجلة، وتحمل مجازفة إصدارها غير واثق بما سيجني من ربح، كما أن أعضاء اللجنة ليسوا كل شيء في التحرير، فأدباء العالم العربي يرفدون المجلة بما يغني غناءهم دون خسران! لم ينسَ الزيات ذلك، ولكنه أعلن موافقته المبدئية، ومرت الأشهر وتطلع الأعضاء للربح المنتظر، ولكن الزيات يقدم من الحساب ما لا يصدقونه، وهو وحده أدرى بتكاليف الطبع والتوزيع، فوقف الأستاذ أحمد أمين حائراً أمام ما يرى!! ثم شاء أن ينسحب من التحرير وتابعه أكثر زملائه، فصدرت الرسالة قرابة عام ونصف دون أن تجد المساهمة المنتظرة من الزملاء، وكأنهم كانوا يعتقدون أن الفراغ سيمتد، ولن يجد الزيات وقوداً يكفي، وزاداً يشبع، فتتوقف الرسالة عن الصدور. وقد نسوا أنهم ليسوا كل الكاتبين، وأن أمثال العقاد والمازني وشكري وتوفيق الحكيم وساطع الحصري وإسعاف النشاشيبـي وإسماعيل مظهر ومحمود تيمور وبشر فارس يوالون الرسالة أسبوعياً بما يضمن لها الذيوع، كما أن كتّاب الصف الثاني قد شبّوا عن الطوق، وأصبح لأسمائهم بريق يجذب الأبصار، وكما أن شباب العالم العربي وشيوخه من كبار الأدباء يحلون الرسالة أكرم محل، ولا يخلو عدد من آثارهم الحافلة! وإذن، فالرسالة هي الرسالة، وإن احتجب عنها الغاضبون من أعضاء لجنة الترجمة والنشر والتأليف. 
كان الاختلاف صامتاً يدور بين الرفاق، دون أن يمتد إلى الصحف؛ لأن القوم كبار ذوو أصالة، ولكن آثاره العميقة لن تبارح النفوس في يسر، وقد جد من الوقائع ما نم عن الغضب المستتر، وكشف عن الغيظ الكظيم. 
خصام متبادل: 
لقد كانت السنة السادسة من سنوات الرسالة ذات دلالة صامتة على هذا الخصام المتبادل، وقد ظهر العدد الهجري الممتاز من مجلة الرسالة في تسعين صفحة حافلاً بمقالات إضافية ممتازة لنفر من كبار الكتاب مثل الأساتذة محمد مصطفى المراغي ومصطفى عبدالرازق وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبدالقادر المازني وعبدالرحمن شكري وتوفيق الحكيم وعبدالعزيز البشري ومحمد أحمد الغمراوي والزيات دون أن يكتب أحد من المتنازعين، بل إن العدد قد ضاق عن مقالات إسلامية أخرى نُشِرت في العدد التالي لأمثال الأساتذة محمد لطفي جمعة وإسماعيل مظهر وعبد الوهاب عزام (الذي ظل على صلته الخاصة بالرسالة)، مما ينبئ صريحاً عن أن الرسالة ليست في حاجة إلى معاونة الزملاء الغاضبين من أعضاء لجنة الترجمة والتأليف، وستسير في طريقها لتكون ملكاً خاصاً لمنشئها القدير، ثم شاءت الظروف أن توجد باباً للنزاع العلني بين الأستاذ أحمد أمين والأستاذ أحمد حسن الزيات، بعيداً عن الموضوع الأصلي للنزاع؛ إذ أُلِّفت لجنة لإنهاض اللغة العربية بوزارة المعارف كان من مهمتها اختيار كتب أدبية للطلاب على مستوى المدارس الثانوية بمصر، وكان الأستاذ أحمد أمين رأسها المدبر، فاختارت مؤلفات شهيرة للعقاد وأحمد أمين ومحمد حسين هيكل وطه حسين والمازني ومحمد جاد المولى وعلي الجارم (وهما من أعضاء اللجنة) والبشري والمنفلوطي وشوقي، ولم تختر للزيات شيئاً مع أنها اختارت ثلاثة كتب لأديب واحد! وظهرت بمجلة الرسالة نقدات صريحة كتبها بعض الذين يقدرون أدب الزيات ويتساءلون عن سر إهماله، فاضطر الأستاذ أحمد أمين إلى الإجابة السريعة في عدد تالٍ حيث قال صريحاً إن للأستاذ الزيات كتابين في مستوى الطلبة هما (آلام فرتر) و(روفائيل)، وهما من خير الكتب من حيث دقة الترجمة، وجزالة الأسلوب، ونصاعة التعبير وقوة البيان، ولكن آلام فرتر موضوعه حب هائم ينتهي بانتحار فظيع، وروفائيل رسائل غرام بين شاب وامرأة متزوجة، ولم نرَ من الخير أن توضع أمثال هذه الكتب في أيدي الطلبة لناحيتها الأخلاقية لا ناحيتها البلاغية، ولو فعلنا لخالفنا ضمائرنا وهاج علينا أولياء أمور الطلاب بحق. 
أما كتاب (في أصول الأدب)، فقد منعنا من اقتراحه عدم الوحدة في موضوعه، واشتماله على مقالات فوق مستوى الطلبة، فهل يرى السائل بعد هذا البيان أن اللجنة تجنّت على الأستاذ الزيات أو غمطته حقه في الأدب، أو مست شيئاً من مكانته في عالم البيان؟ 
هذا لب ما قاله الأستاذ أحمد أمين، ولم يفت الأستاذ أحمد حسن الزيات أن يعقب عليه برد حاسم قال فيه: 
دفاع الزيات: 
إن الذي يعرف الأستاذ أحمد أمين، ويعلم أن أخص ما يميزه حياة الضمير، وسلامة المنطق يدرك ما كابده الأستاذ من الجهد في إقناع نفسه بهذا الجواب، فإن (آلام فرتر) كتاب عالمي قرأه ولا يزال يقرؤه ملايين من الفتيان والفتيات في جميع أمم الأرض، ولم نعلم أن أمة من الأمم حظرته على الطلاب لأن موضوعه حب هائم ينتهي بانتحار فظيع، وقد تُرجِم إلى العربية منذ ثمانية عشر عاماً، وأعيد طبعه سبع مرات، وقرأه كل مثقف في بلاد العروبة، ولم نسمع أن حادثة من حوادث الانتحار اليومية قد وقعت بسببه، على أن فرتر مثال العفة والإخلاص والإيثار والتضحية، فلا يمكن أن يعاب من جهته الأخلاقية، والأستاذ أحمد أمين نفسه حين ألف كتابه (الأخلاق)، قد اقتبس صفحة منه وعزاها إليه. 
أما (روفائيل) فحبه حب عذري صوفي لا نجد له مثيلاً في الكتب ولا في الطبيعة، فهل يرى الأستاذ أن الحب جريمة، وإن لم يؤد إلى معصية؟ إن كان ذلك رأيه فلمَ لم يحظر القرآن على الطلاب المسلمين لأن فيه سورة يوسف؟ والتوراة على الطلاب النصارى واليهود لأن فيها نشيد الأناشيد؟ ولا أدري كيف قال الأستاذ "ولم نرَ من الخير أن توضع أمثال هذه الكتب في أيدي الطلاب لناحيتها الأخلاقية، ولو فعلنا لخالفنا ضمائرنا، وهاج علينا أولياء أمور الطلبة"! فهل نسي أنه رئيس لجنة التأليف والترجمة والنشر، وأنه هو نفسه الذي قرر طبع هذين الكتابين على نفقتها، وأنه هو نفسه الذي طلب إلى وزارة المعارف أن تشتري منهما لمكتبات مدرستها فاشترت. 
بقي الكتاب المسكين (في أصول الأدب)، وليت شعري ما يريد الأستاذ بوحدة الموضوع التي لم يجدها فيه؟ إنما هو بحوث نشرناها مفردة، ثم جمعناها تحت وصفها العام، كما فعل العقاد في (المطالعات)، والمنفلوطي في (النظرات)، والبشري في (المختار)، ثم ما هذا المستوى الذي وضعه الأستاذ للطلاب وجعل فوقه (في أصول الأدب)، وتحته (ضحى الإسلام)؟ وهل يصعب على الطالب الذي يفهم ضحى الإسلام لأحمد أمين وابن الرومي للعقاد أن يفهم (في أصول الأدب) وأكثره مقرر على طلاب السنة التوجيهية حتى لم يجد المعلمون والطلاب في العام المنصرم مرجعاً غيره في هذا المنهج؟ الحق أن الأسئلة لا تزال تتطلب الجواب، وإن اضطهادنا في وزارة المعارف يرجع إلى أسباب غير هذه الأسباب. 
إصدار مجلة الثقافة: 
قلت: إن الأحمدين يكتمان كثيراً من الانفعالات، وفي الرد والتعقيب السابقين ما يوحي بكظم بالغ لهواتف نفسية توشك أن تنطلق لهيباً محرقاً، والدارس البصير يعلم جهد الأستاذ أحمد أمين في تكلف التبريرات المصطنعة، كما يعلم مقدرة الزيات على العصف بهذه التبريرات في أسلوب موجز يخز ولا يدمي، وقد رأى الأستاذ أحمد أمين وجماعته في لجنة التأليف والترجمة والنشر أنهم خسروا قراءهم الكثيرين بامتناعهم عن النشر في الرسالة، ولا سبيل إلى العودة إليها بعد أن فشلت تجربة المصالحة السالفة، فهل تقدر اللجنة على إصدار مجلة أدبية تنافس الرسالة؟ إن ذلك من المستطاع عملياً؛ لأن مطبعة اللجنة مستعدة وكتابها متمرسون! ولكن لكل شيء حسابه الدقيق، وامتدت المشاورات بين الأعضاء حتى انتهت إلى إصدار مجلة (الثقافة) لتزامل (الرسالة) في مهمتها الأدبية ظاهرياً، ولتقلل من سطوتها كيدياً، وقد افتتح الأستاذ أحمد أمين عددها الأول بمقال قال فيه: "لا نشعر نحو إخواننا أصحاب المجلات إلاّ شعور الفرق المختلفة في الجيش الواحد، هزيمة الفرقة هزيمة الجيش، ونصرة الفرقة نصرة الجيش، والكل يعمل، والكل يتعاون، ولجنة التأليف بحمد الله غنية بأعضائها، غنية بتخصصها، ففيها العالم من كل صنف، وفيها الأديب من كل نوع، وفيها الفنان في كل فن، حصلوا كثيراً من العلم والأدب، فرأوا من واجبهم أن يشركوا في علمهم وأدبهم أكبر عدد ممكن من مختلف الأقطار". 
أما مجلة الرسالة، فقد أشارت إلى صدور الثقافة إشارة موجزة جاء بها: "غداً يصدر العدد الأول من الثقافة، والثقافة مجلة أسبوعية تصدرها لجنة التأليف والترجمة والنشر، وتاريخ اللجنة معروف في نشر المعرفة لدى القراء والأدباء منذ ربع قرن، فلا يمكن أن يصدر عنها إلاّ كل جليل ونبيل، والرسالة ترحب بالثقافة ترحيب الشقيقة بالشقيقة؛ لأن بينهما من صلة الروح والدم والفكر والغاية ما لا يؤثر فيه اختلاف الدار، ولا تباين المظهر، وهي ترجو الله مخلصة أن يوفق الثقافة بمقدار نيتها في صدق الجهاد، وتوخي الحق وإخلاص العمل". 
ولم تخف هاتان الكلمتان - على مجاملتهما الواضحة - نوازع التهيب والحذر، فالثقافة منافسة للرسالة، وكُتّابها من كبار الأساتذة في الجامعة ووزارة المعارف، ولهم قدرة على تقويتها في المكتبات الحكومية بنفوذهم الممتد، والزيات لا يملك ما يملكون من هذا النفوذ، ولكن مجلته شقت طريقها، ووجدت بالفعل قراءها الكثيرين، لاسيما في العالم العربي الذي كان يعد الرسالة منارة العرب ومئذنة الإسلام! وقد دعمها الأستاذ الرافعي رحمه الله بمقالات ساعدت على سيرورتها في المحيط الإسلامي، وهذا ما جعل الزيات يثق في غده، كما باهى بيومه وأمسيه، على أنه عبر عن شعوره الأليم لصدور الثقافة تعبيراً قوياً في افتتاحية العدد (342) من السنة الثامنة من مجلة الرسالة، حين قال: "رباه ما هذا الذي أرى! أهذا الصديق البر الذي خالصته الود، وساهمته الوفاء، وعاشرته نصف العمر، ثم لا ألقاه إلاّ صافحني بالكف الناعمة، ومازحني باللسان المعسول، ما باله قد تساقطت عنه لفائفه الوردية وحالت عليه أصباغه العبقرية، فبدا أمامي عارياً ضارياً كالأسد الجائع تتقد عيناه بالشر، ويتحلب شدقاه بالشره، وتمتد يداه الباطشتان إلى قُوتي الذي لا مساك للنفس إلاّ به، وفي شريعة الوحش لا تتصافح الكفان ما دامت بينهما فريسة، ولكن الإنسان وحده هو الذي يستطيع أن يسلم بيد، وأن يلطم بيد". 
ثم عنّ للأستاذ الزيات أن يباغت الأستاذ أحمد أمين بسلسلة من المقالات النارية تجاوزت العشرين تحت عنوان (جناية أحمد أمين على الأدب العربي) كتبها الدكتور زكي مبارك في نقد مقالات خمس كتبها الأستاذ أحمد أمين بمجلة الثقافة تحت عنوان (جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي)، وقد اشتط الدكتور مبارك في تجريح الأستاذ أحمد أمين؛ إذ تجاوز حديث الأدب إلى شؤون لا تتصل به، فجعل يشكك في أخلاق الرجل الكبير، ويرميه بما يعرف القراء بعده عنه: من الشره المادي، والسرقة الأدبية، والانقياد المغرض للنوازع والأهواء، ولو أنصف الدكتور مبارك لأوجز النقد في خمس مقالات، كما فعل ناقد محايد هو الدكتور عبدالوهاب عزام، ولكن ارتياح الزيات إلى هجوم مبارك جعله يمتد بالنقد إلى أمور ما كان أحراه بالابتعاد عنها، وقد عرف الأستاذ أحمد أمين ما وراء حملة مبارك، فكتب في الثقافة يقول: "إن مقالات عدة وردت إليه من مختلف الأقطار العربية، بعضها في مناقشة الفكرة تأييداً ورداً، وبعضها في سب ناشر مقالات الرسالة والتعريض بصاحب المجلة وتحليل الأسباب الداعية لذلك"، وبادر الزيات برد هذا الاتهام، فعقب على كلام الأستاذ أحمد أمين بما فحواه: "أن الرسالة قد فسحت صدرها من قبل لنقد عاصف قام به الأستاذ سيد قطب مهاجماً الأستاذ الرافعي، ولم يقل قائل إن نقد الرافعي يشف عن انتقام، وينبئ عن خصومة، وأن الأستاذ أحمد أمين له قلم ومجلة وأنصار، وهو صاحب رأي جديد في الأدب الجاهلي لم ينشره إلاّ بعد أن وطن نفسه على مكروهه، وناقده أستاذ معروف له استقلاله في الرأي، وأسلوبه في النقد، ومكانته في الصحافة، فلا يمكن أن يوجه إلى خطة، وأن يحمل على رأي". 
أما الدكتور مبارك فقد قال بصدد هذا القول: "إن الأستاذ أحمد أمين يروّح عن نفسه بهذا الادعاء الطريف، ليوهم القراء أن أدباء العرب في مختلف الأقطار قد توجعوا له أشد التوجع، وتعرضوا لخصمه بالشتم والسباب، كأن أدباء العرب لم يبقَ لهم مأرب يحرصون عليه غير حماية أحمد أمين من كلمة الحق". 
والحق أن الدكتور زكي مبارك في نقده قد أسرف دون داعٍ، وأكثر ما اتجه إليه الأستاذ أحمد أمين قوي في بابه، صحيح في اتجاهه، وغير الكثير لا يتحمل اثنتين وعشرين مقالة ذات أمد فسيح، وقد خرجت من موضوع إلى موضوع، وانتقلت من باب إلى باب! 
وقد عرف القراء حقيقة انتقام الرسالة؛ إذ بدا واضحاً بأجلى معانيه، بل إن الرسالة نفسها نشرت تعقيباً لأديب سوداني قال فيه: "إني على فرط إعجابي بالدكتور زكي مبارك وتقديري لآثاره الأدبية، لم أرضَ عن هذا النقد الذي يتناول الشخصيات دون الآثار، ويدافع عن الأدب عن طريق الجناية على الأدباء... ولعمر الحق إن هذه الطريقة التي سلكها الدكتور زكي ملتوية شائكة، بل هي ضرب من الجناية على الأدب ما كان أجدره بأن يتحاشاه". 
كما فسح الأستاذ الزيات صدر الرسالة لنشر حديث منقول عن مجلة المكشوف البيروتية عزته إلى أديب مصري يصطاف في لبنان، قال فيه بعد مقدمة طويلة: 
خصام مستتر وظاهر: 
"إن أسباب المعركة القائمة الآن بين الرسالة والثقافة ليست ناتجة عن الأخطاء التي ارتكبها أحمد أمين في بحثه عن جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي، بل يرجح عندي أن هذه الأخطاء كانت فرصة اغتنمها الدكتور لشن الغارة على أحمد أمين، أما الأسباب الحقيقية فترجع إلى المناوشات التي قامت في وقت ما بين أيدي التلاميذ.. واستمر هذا لخصام بين الزيات وأحمد أمين تارة مستتراً، وتارة ظاهراً، حتى ظهرت الثقافة وكان هدفها الأول محاربة الرسالة.. وقراء الأدب في مصر محدودون، فكان بديهياً أن يتحول قسم كبير منهم من الرسالة إلى الثقافة، وأن تحس الرسالة أنها لم تبقَ وحدها في الميدان، فاشتد النزاع واشتد ".. 
وقد انتهت معركة الأدب الجاهلي لتستمر مناوشات الدكتور مبارك في فترات متباعدة غير منقطعة عن مهاجمة الأستاذ أحمد أمين ومجلة (الثقافة)، ومضت قافلة الأيام لتضعف المجلتين معاً لأسباب قاسية لا دخل للقائمين عليهما في حدوثها، وهذا ما عبر عنه الزيات حين قال بمناسبة صدور العدد الألف من مجلة الرسالة: 
"ثم سعى الشيطان بين الإخوة فتصدع الشمل، وتفرق الهوى، وتمزقت الوحدة، فانشق على الرسالة كتاب، واشتق منها صحف، كما انشق على الوفد أقطاب، واشتق منه شعب، فضعف الأصل، ولم يقوَ الفرع، واعتل المصدر، ولم يصح المشتق، وخسر الفرد، ولم يربح الجمع". 
إن مجلتي الرسالة والثقافة أسديتا للأدب العربي، والفكر القومي، والرابطة الإسلامية ما جعل أثرهما خالداً باقياً رغم انقضاء الأمد الطويل على احتجابهما، ولن يؤرخ الأدب العربي المعاصر تأريخاً دقيقاً دون أن يشبع الحديث في تحليل ما حملتا من أدب، وحددتا من اتجاه.
المصدر : مجلة الهلال 4/ 1995ڤ
منقول

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق